المشاركات الشائعة

الجمعة، 24 يونيو 2011

أرجوك ... لا تقفلي الباب ... زهرة الرّبيع زهرة مراد


أرجوك ... لا تقفلي الباب ... زهرة الرّبيع زهرة مراد

انتهت حصّة الدرس. وبدأ الأطفال يحفظون أدباشهم في نوع من الهرج والفرح، فبعد لحظات تبدأ عطلتهم وسيكون لهم متسع من الوقت ليلعبوا ويمرحوا ... وها هي تخلع ميدعتها هي أيضا وتعدّ نفسها لمغادرة القسم والمدرسة إلى ما بعد العطلة. طلبت الهدوء للحظة وقالت : لا تحرموا أنفسكم من اللعب، لكن وازنوا بينه وبين المراجعة، تمتعوا بلعبكم ولكن فكروا في الغد واستعدوا له مبكـّرا، راجعوا ما كلفتكم بمراجعته ولا تفرطوا لا في هذا ولا في ذاك ... لم يبق على وقت الخروج إلاّ بعض اللحظات ... دخل مدير المدرسة القاعة ... صامتا ... كعادته لا محالة، هادئا،  اقترب من المعلمة وقال لها بصوت منخفض حتى لا يسمعه التلاميذ سائلا عن حال طفل :  هل هو بخير ؟ أجابته بنفس هدوئه : وضعه لا يدعو للقلق. طلب منها مغادرة القسم إن شاءت على أن يبقى هو مع التلاميذ لما تبقى من دقائق معدودة، استغربت منه ذلك وأوضحت أنّه لا داعي فوقت الخروج لم يبق له إلا ثوان معدودة. ألحّ عليها أن تغادر في الحال معلنا أن سيارة تنتظرها أمام المدرسة. لم تستوعب ولم تفهم ما يحدث لكنها غادرت القاعة حاملة كتبها ولوازم عملها وميدعتها البيضاء وكثيرا من التساؤلات لما لفّ سلوك المدير  من غموض. بلغت باب المدرسة فوجدت سيارة تنتظرها، إنها تعرف صاحبها لكنها تستغرب حضوره رغم أن من أرسله كان زوجها. كان من المفروض أن يحضر هو للعودة بها. فتح لها باب سيارته وساعدها على وضع أدواتها على الكرسيّ الخلفي ثم قال لها في هدوء "زوجك يطلب منك اللحاق به إلى مستشفى المدينة " لم تنفعل ولم تقل شيئا، فقط سألت سؤالا أجابت عليه في الحين" هل فقد الوعي ؟ كنت أتوقع ذلك " لم يعلـّق على كلامها وواصلا طريقهما في صمت، هو يقود السيارة منتبها للطريق وهي شاردة الذهن إلى أن اقتربا من المستشفى. ما إن أطلت على مشارفه ورأت سيارة الإسعاف وجمعا من الناس يقفون في قلق وحيرة حتى دقّ قلبها وكاد يقفز من مكانه. تحركت الدماء  بسرعة في عروقها وتسارعت دقات قلبها... سألت من جديد : هل حدث مكروه ... قلْ أرجوك. " فقال في هدوء مصطنع " لا .. لا باس، لقد سقط لا أكثر "
توقفت السيارة أمام مبنى المستشفى ونزلت مسرعة تستكشف الأمر فاعترضها زوجها مهدّئا من روعها : لا باس ...لاباس ... لكن لابدّ أن يُنقل إلى العاصمة. كان متأثرا شديد التأثر، كان كبرياؤه يمنعه من أن يبكي لكنه من المؤكـّد يودّ لو يفعل ... أليس جزءا منه ذاك الطريح ! أسرعت الخطى لتصل إليه ... وما إن رأته حتى اهتزّت اهتزازا ولم تعد ترى سواه ...كان ممدّدا بلا حراك ... أصفر البشرة ... والدماء حوله في كل مكان... كان رجال كثر يريدون السيطرة عليها لتهدئتها ... زوجها ... الطبيب ... الممرّضون ...لكنها لا تراهم ولا تسمعهم، دخلت في نوبة جنونية من البكاء ... يفتح عينيه بثقل، يقاوم الألم، وينظر إليها متوسلا أن اهدئي أمّي ... لا تزيدي ألمي .. سامحيني على هذا الذي أسببه لك ... أرجوك لا تبكي ولا تحزني ... وانتظريني سأعود ... ثمّ يغمض عينيه ليستسلم للغياب ... وتحاول أن تصل إليه لتحضنه، لتأخذه بين ذراعيها، علّ النار التي اشتعلت في فؤادها حين رأته في تلك الحال تخمد ولو قليلا ... تحاول بلا جدوى أن تحتضنه بين ذراعيها، أن تمسك برأسه الصغير وتسأله ما الذي حدث ؟ لكن الأطباء والممرّضون منعوها رغم  ما أحسّوا به نحوها ونحوه من أسى... كان لم يمرّ على عملية القلب التي أجراها ثلاث سنوات... واليوم وقد خرج والده من المنزل ليعود بوالدته من العمل تاركا اياه صحبة اخيه الاكبر... لعبا لعبة الغمّيض معا وبينما يختبئ الأخ وراء الباب تأرجح طفل الأربع سنوات ممسكا بطاولة التلفاز... فانقلب الجهاز ورفس الطفل رفسا حتى نزفت دماؤه من كل مكان ... بكت حتى تورّمت عيناها وصاحت حتى جفّ حلقها ولكنها لم تستطع فعل شيء لذاك الطريح ... حملوه على الحمّالة وساروا به مسرعين في اتجاه سيارة الإسعاف محيطين به من كل جانب حتى لا تصله هي فلا يضمنون ما تفعل ... منعوها من الاقتراب ... من الصعود معه... حاول بعضهم إقناع الطبيب أن يسمح لها أن ترافقه رفقا بأمومتها لكنه رفض ... وسمعتـْه يقول خافضا صوته، قد يموت في الطريق وأخاف عليها الصدمة ... تلاشت لسماع تلك الكلمات ... توقفت عن البكاء ... سلـّمت أمرها ...توقف تفكيرها عند قول الطبيب ذاك... تداعت الى الحزن شعرت بالبرود يسري في دمائها حتى أنها لم تعد قادرة على تحريك أطرافها بسهولة ... كان زوجها يسندها متمالكا نفسه فلا يعقل أن ينهارا كلاهما ... ورغم الألم الذي كان يعتصر قلبه، كان يقول لها كلمات تخفف حزنها وتبعث فيها الأمل. انطلقت سيارة الإسعاف كالمجنونة معلنة الخطر والتحقا بها في سيارة أحد الأصدقاء ... فهل هما الآن قادران على قيادة سيارتهما ؟ كانت عيناهما تراقب الطريق في صمت... ترى هل تعود سيارة الإسعاف من منتصف الطريق ؟ هل تتوقف إذا ما تمّ أمر الله ؟ أفكار سوداء كانت تجول بخاطر كلّ منهما. إلى أن وصلا إلى مستشفى العاصمة فتنفـّسا الصّعداء. وجداه بين يديْ الطبيب، مازال يتنفس ... الحمد لله  ... أسرعوا بإنقاذه ... وعوضوا له ما ضاع منه من دماء ... قضى ثلاثة أيام في الإنعاش ولما استفاق كان مشدودا إلى الفراش ... وحين رأته حيّا... حمدت الله وقالت " الضّنا غالي "  وإذا بالولد الأكبر، طفل السّادسة من عمره يجذب أمه من يدها ويقول : لو أن أبي أغلق علينا الباب بالقفل كما تعوّد أن يفعل، ما كنت أستطيع أن أطلب النجدة لإنقاذ أخي ... فأرجوك أمّي، لا تقفلي علينا الباب ثانية ...

زهرة مراد قليبية 19 ديسمبر 2010


سيدتي ... الآن ارحمي ... خواطر أنثى - زهرة الرّبيع زهرة مراد


وقف أمامها وصدره يعلو وينخفضُ. مطأطأ الرأس أحيانا وأحيانا رافعهُ. ينظر إليها طورا ويخفض بصره تارة أخرى. أنفاسه متسارعة. يهمّ بالكلام لكنّه لا يفعل. وما عساه يقول وهو يشعر بكلّ هذا الاحراج. ما عساه يقول وهو لا يحسن أن يجد عذرا لما حدث. ما عساه يقول لها وهو يعرف أنه مذنب ولو بدرجات. هو مقتنع بأنه مقصّر لكنّه لا يجيد أن يفعل غير ذلك. إنه يعرف أن عليه جانبا من الخطأ لذلك يصمت أمامها ولا يجرؤ على الكلام. ليته يفعل... ليته يتكلّم... ليته يقول... إنه عاجز... أسير... تسأله فلا يجيب وتستفسره فلا يستجيب، وتعيد على مسمعه ما يحدث وتشرح له لماذا يحدث فينظر إليها في صمت موافقا على كل كلمة تقولها متوسلا أن ارحمي ... سيدتي. فانا اقدّر ما تفعلينه من أجلي ... واشعر بثقل عبئي عليك لكني لا أحسن ان اغيّر ما بنفسي
تتوقف عن الكلام. تنظر إليه بصمت،  تطيل النظر، تقترب منه،  تدعوه ان يقترب،  فيزداد اهتزاز صدره وتتسارع دقات قلبه أكثر وينظر في عينيها متوسلا، ارجوك سيدتي لا تفعلي، لا تزيدي مأساتي، إني احبّك... أشعر بحبّك في داخلي، لكن اعذريني، فانا حاولت ان أكون كما تريدينني أن أكون، حاولت أن أرقى بنفسي إلى المرتبة التي يجب فيها أن أكون... لكني فشلت. وأعترف لك أني فشلت. لا أعتب عليك يا سيدتي، فأنت لست مذنبة في حقي، ولست منك غاضبا بل من نفسي أنا المستحي. لا أعتب عليك... لا ألومك ...لا أفكر في أن أثور عليك، فانا أعرف أنك تحبينني وأيّ حبّ في قلبك الكبير تكنين لي، وأعترف بأنك حاولت دعمي، حاولت مساعدتي... لكن اليوم يا سيدتي ارحمي...
مدّت يدها نحوه في صمت، فاهتز  وانتفض. قالت في حنوّ ولكن باسى : لا تخف يا صغيري، عدْ الى مكانك الآن وغدا دع والدتك تصطحبك اليّ خارج اوقات العمل وفي مكتب المدير نلتقي...

خواطر أنثى
زهرة مراد - قليبية 19 ديسمبر 2010


عندما تغلق أبواب المدينة ... خواطر أنثى - زهرة الربيع زهرة مراد


قالت مغمغمة وقد تأخر الليل وهي بمفردها :
  - عندما تغلق أبواب المدينة ولا يبقى من الليل إلاّ أحلامه، أشعرُ بثقل الصّمت في عالمي وبقسوة الوحدة في حياتي..
حينها دخل دون أن ينظر إليها فواصلت قائلة بصوت أكثر ارتفاعا قاصدة أن يسمع قولها : 
 - بالأمس كنت أظنّ أنّ قصص الحبّ تنتهي دوما نهاية الأفلام العربيّة القديمة، بتجاوز كلّ العقبات واللـّقاء الأبديّ السّعيد، وكنت أعتقد أنّ الحبّ الكبير ينتهي دوما بزواج أو بفجيعة، حتى أحببتك ...اكتشفتُ أنّ عهد الآمال الكبيرة قد ولـّى، وأنّ الحبّ الكبيرْ بعد الزواج يمكن أن يمرض ويحتضرْ حتى نهرب منه وكأنّه وباءْ. الحبّ الكبيرْ قد يموت، وقد يحمل مع الأيام أثقالا لا يمكن السّيْر معها، ويصبح حبا بلا معنى، كسيحا يزحف، مجرّد هاجس بعيد ... تتلاشى بقاياه على ثرثرة الأيام.
نكذب على أنفسنا، أنت وأنا، نمنع الرّيح من السفر في عالمنا، نوقف المدّ من الوصول إلى شواطئنا. ونستسلم لعاطفة باردة، تنتقل من اليوم إلى الغد دون تغيير وباستسلام لا حماس فيه.
لذلك لم تعد تدهشني حكايات الحب الخالدة، ولم أعد أريد منك حبّا كبيرا يتحكّم بحياتي، لم أعد أبحث عن السّعادة الكبرى. فالفرح الكبير تـُخمة لمن لم يتعوّدهْ. والحزنْ ! الحزنُ يزرعُ الكآبة َ ويوقفُ الزّمنْ... وأنا أريدُ الاستمرارَ لأيّامي وعواطفِي. لذلكْ، لن أحدِّثكَ عن حبٍّ كبيرْ يُؤلمني بموتٍ بطيءْ، فقد تعلـّمت أن أرضى بلحظةِ الحبّ التي أعيشها معكْ ما دامت تدغدغ أنوثتي وتؤكد يقظة مشاعري حتى ولو كانت نادرة.
وحين أنهتْ كلامها، كان هو يغطُّ في نومٍ عميقْ.

خواطر أنثى
زهرة مراد


المرأة لا تنسى 2 ... خواطر أنثى - زهرة الربيع زهرة مراد


جلستا دون كلام ... فقد كانتا مهمومتين كلاهما.
وبعد لحظات من الصمت قالت لصديقتها :  
  -    ما بك ؟ أنت صامتة منذ دخلت، لا بأس عليك ؟
أجابت الصديقة :
   -     جئت أشتكيك حالي و، ليس لي غيرك افشيه همي. 
   -    وما به حالك ؟
شردت الصديقة في ذهول للحظات ثمّ تنهدت وبدأت تتحدث وكأنها تروي حكاية. قالت
:
         التقينا صدفة ودعاني إليه، ألحّ في الدعوة، أراد أن نسافر معا إلى سماء لا حدود لها، إلى عالم لامتناه حيث نطير كالفراشات ونعبق الرّحيق كما نشاء ونطير بلا أجنحة، كان الحلم الذي دعاني إليه يغريني شيئا فشيئا حتى قبلت. كان لا بدّ أن أقبل لأني كنت أحتاج السفر، فتحت جناحيّ وحلّقت بعيدا بعيدا ... عاليا عاليا... وأسبلت جفوني مطلقة العنان لأحلامي ... كان المكان رائعا وكل ما في الحلم اروع ... حكيت له عن كل طموحاتي ... وكشفت له بكل بساطة عن كل أمنياتي ...  وفجأة ... فجأة سمعت صوته يوقظني قائلا :
         لقد أخطأنا الطريق ولا بد أن نعود من حيث أتينا ... ما كان لنا أن نحلم ... علينا ان نعود من حيث جئنا ...
فتحت عيني بسرعة المفاجئ فإذا بي أجد نفسي قد وقعت وتحطم قلبي بين يدي. قلت :
         ملكت نفسي لو ملكت منطقي.
في تلك اللحظة ربّتت وفاء على كتف صديقتها وقالت :  انسيْ يا صديقتي، انسَيْ.
فقالت الصديقة :
 المرأة لا تنسى

خواطر أنثى
زهرة مراد / زهرة الربيع 17 ديسمبر 2010 قليبية 


المرأة لا تنسى 1 ... خواطر أنثى - زهرة الرّبيع زهرة مراد


لبست أجمل ما عندها من ملابس وتزينت كأروع ما يكون قبل ان تلتحق بمكتبها. فاليوم ستخرج معه بعد العمل. يروقها كثيرا قضاء الوقت معه خارج البيت. حان الموعد، لكنه لم يأت. نظرت في ساعتها. لقد تأخر بعض الدّقائق... نصف ساعة ... ساعة ... مضت ساعات عن الموعد ولم يأت، وهاتفه مغلق. وهي على أحرّ من الجمر. لا يعجبها ما يحدث. لقد بدا عليها القلق والغضب. وفجأة، رنّ الجرس، ودقّ قلبها، أخيرا ...
 لم يكن جرس باب المكتب الذي رنّ، بل هاتفها ... إنه هو المتّصل. أخيرا تذكر أن له زوجة تنتظر، المهمّ أنه تذكر ... الباقي لا يهمّ ... ولكنّه يعتذر :
أنا آسف حبيبتي، لقد تورطت في جلسة مع بعض الأصدقاء، ولم استطع الانسحاب ولن أستطيع، اعذريني أرجوك وكوني متفهّمة... أحبك ... وسأعوضها لك .....
أغلقت الهاتف دون أن تنبس بكلمة وقلبها يعتصره الألم. لقد تعودت ذلك. لم تعد تتفاجئ ولم تعد تنتظر غير الاعتذار والأعذار ...الواهية. وضعت هاتفها جانبا وانفلتت إلى الماضي تستعرض ذكرياتها بحلوها وبمرّها ... لعلّ المرارة كانت تغلب، لكنها كانت متفائلة دائما وتحلم بغد أفضل. غير أن تلك اللحظات كانت قاسية لدرجة أنها لم تتمالك نفسها عن البكاء. نعم بكت بحرارة الدمع حتى انفطر قلبها. وفجأة ... دقّ الجرس، جرس الباب قد رنّ ... مسحت دموعها وأسرعت لتفتح. الوقت ليس وقت عمل ولا تتوقع غيره يأتيها... استطاع ان يفلت من أصدقائه وجاء ليراضيها، عموما سترضى ما دام يفكر فيها وهل لها خيار ما دامت تحبه بهذا القدر ، لا خيار ما دامت ترى الدنيا من خلال عينيه. لا خيار ... فتحت الباب .... كانت  صديقة قديمة، ضاقت بها الدنيا فجاءت اليها تطلب مؤانسة وقد تعودت لقاءها في مكتبها من حين لآخر
...

خواطر أنثى
زهرة مراد / زهرة الربيع 17 ديسمبر 2010


حين نستعيد الذكريات ... خواطر أنثى - زهرة الربيع زهرة مراد


توقفت أمام الباب قليلا قبل أن تدخل. لم تكن مترددة، لكنها لا تدري ما الذي اجتاح كيانها حين وصلت أمام الباب. لم تفهم لمَ لمْ تدخل مباشرة... كانت نظراتها تجول في كلّ أرجاء المكان. تقدمت خطوة... ثم أخرى تلتها خطوات بطيئة..عيناها تجولان في الداخل : الحديقة، الجدران... الأبواب... النوافذ... في كل ركن صغير... سارت لا تشعر بشيء  مما يحيط بها، يملأها فقط عطر المكان ... لم تشعر بوجود ما ومن كان حولها ... لم يكن أمامها سواه ... الرائحة نفسها، الشكل نفسه، كلّ ما فيه لم يتغير ... أحست بشيء يستيقظ في داخلها... إحساس لذيذ يداعب نفسها، تنساب مع الماضي البعيد، تعود لذكريات السنين الخوالي : في ذلك المكان ، كانت تجلس وفي تلك الزاوية كانت تلهو برفقة من تحب ... صعدت الدرج بتأنّ وكانها تريد ان تشبع نفسها من شيء تشتاق اليه كثيرا، إنها تستعيده الان ... دخلت المكتب وجلست وهي تتمتم بكلمات لم تكن تعي ان كان ذاك ما تريد قوله ام لا، وعيناها لا تزال تجول في الجدران والصور وكل ما وجد في المكان ... استفاقت على صوت يرحب بها ويقول : تفضلي سيدتي على الرحب والسعة حللت اهلا ونزلت سهلا.
نزلت كلماته في نفسها منزلة حلوة وابتسمت ونظراتها شاردة في اتجاهات مختلفة تعود بها الى سنوات الصّبى وترد التحية قائلة : في الحقيقة انا مذهولة ... انا سعيدة جدا لعودتي ولا اجد ما اقول ...
رغم انه لم يفهم ما تقصد بالضبط ابتسم لها وطلب منها اصطحابه فتبعته  راضية ... سارا معا بين الابواب والنوافذ وتكلما وقدمها للجميع ... لكل من كان هناك وهي تبتسم لكل من يراها ابتسامة مضيئة تعكس فرحا من الاعماق ... قالت مشيرة الى احدى الاماكن : هناك ... هناك كنت أجلس، ووراء تلك الطاولة كنت أقضي ساعات، وفي تلك القاعة قضيت سنوات ... وفي ذاك القسم احتوتني أروع المعلمات ... وعلى ذاك اللوح بيدي خططت الحروف عديد المرّات ... وتحت تلك الشجرة احتميت من الشمس صحبة الرفيقات ... اليوم اعود ومعي الذكريات ... اعود اليك يا مهد تعلمي يا مدرستي  التي فيها قضيت اجمل السنوات ... لعلي اجدد العهد وانا الان من ضمن المعلمات ...

خواطر أنثى
زهرة مراد


الهوة ... خواطر انثى - زهرة الرّبيع زهرة مراد


تجلس في ركنها المفضل المعتاد ... بين أوراقها وهاتفها والحاسوب. تضع أمامها بعض ما يحلي طعم المرارة التي في حلقها.
يجلس في زاوية أخرى، بعيدا عنها. يشعل سيجارته بعد أن يضع أمامه مطفأة وكأسا من القهوة.  يدخّن في صمت وهو يعبث بهاتفه. مرّة يطلب احد الخلان، وأخرى يستقبل فيها مكالماتهم، فيضحك طورا ويجيب على أسئلة طورا آخر، مواصلا التدخين في صمت. تنظر إليه من بعيد فلا يلتفت إليها ولا يحسّ بنظراتها. يواصل التدخين ... تتمني هي في صمت ، أن يكلّمها ... أن يقطع هذا الصّمت ويأتي إليها ... ليته يتنازل مرّة عن هذا الغرور والكبرياء ...  ليته يضمّها إلى صدره ويربّت على كتفيها معتذرا عمّا سبّبه لها ... ألم الوحدة وعذاب الفراق ...ليته يسمع نداءها فيأتي ليقتلع الأشواك من حديقتها ...  يسمعها ...  يختصر المسافات بينه وبينها ...  يقاسمها لحظاتها ... يأتي ليهمس في أذنها : أحـــبّــــك ولا أستطيع الاستغناء عنكِ ...
ليته يفعل ... ينقذها من وحدتها... ينظر في عينيها ليعرف كم تحتاجه وكم تريده. ليته يعرف أنها تهواه وأنها لا تستغني عنه ولا تريد غيره ...  أنه يملك كيانها وأنها لا ترى الدّنيا إلا ّمن خلاله ...  ينتبه أنه يوشك أن يخسرها ...  يستفيق ويتداركها ...  ينهض من مكانه ليبرهن عن حبّه لها ويتنازل عن الكبرياء ويثبت أنه لن يتنازل عنها، لكنه لا يفعل. إنه يواصل التدخين في صمت لا يقطعه سوى رنين هاتفه من حين لآخر ومحادثاته المتقطعة غير المفهومة في أغلب الأحيان. كم تتمنى أن  يقرأ ما بداخلها، ليعرف ما بقلبها من حبّ ومن أسى ... كم تتمنى أن يفهم أنها تفكر فيه... تتأمله من بعيد فيشتعل كيانها. ينهي سجائره، وتمتلئ المطفأة ببقاياها والفضاء بالدخان المتصاعد، فيحمل هاتفه ويتحول إلى غرفته  ليغلقها عليه. وتبقى وحيدة في صمت رهيب. صمت يغطي ثورة عارمة. فتهتز  غضبا وتتسارع دقات قلبها وتندفع الدماء حارّة في عروقها وتصبح لا ترى سواه.  
يمرّ الوقت ثقيلا مملاّ وتحاول ملأه بما اتفق، تارة تبحر وطورا ترسي في قراءة لا معنى لها ومرة تفكر فيه وأخرى تحاول طرد شبحه الساكن فيها فلا تستطيع. تملأ نفسها بالعمل لتنساه فلا تتمكن من ذلك، فكلّما ابتعد كلما كبر شبحه فيها وسكنها أكثر ... تحاول النّوم بعد اليأس من مجيئه إليها بلا جدوى ...تخبئ رأسها بين ثنايا العباءات ... تشغل ذهنها بأشياء أخرى لعلّ النّوم يأتيها فلا يفعل. هو الآخر قد قرّر أن يهجرها ... تتقلب في فراشها، تريد أن تكون الأقوى. تتجاهله، تبحث عن أمر يلهيها عنه فلا تحسن سوى أن تعود للتفكير فيه.
تنهض مندفعة نحوه وتفتح باب الغرفة بهدوء رغم ما بداخلها من هيجان، تجلس على حافة السرير وتقترب منه ... تمرّر أناملها الدافئة على وجهه وشفتيه ... تحاول أن توقظه بقبلة حب لعلّه يحضنها ويجذبها إليه فتنسى ... تنسى الأسى والألم الذي نهش كيانها. لكنه يمتعض قدومها قائلا : أوه ! لمَ أيقظتني ؟ لقد نمت. لا تجد ما تقول. ورغم الوجع الذي تسببه كلماته القاسية، تواصل مداعبة وجهه وتقول : اشتقت إليك. أنت تعرف أني لا أحسن العيش طويلا بدونك. فيشيح عنها بوجهه وهو يقول : دعيني أنام.
تحاول يائسة...  بلا جدوى... إنه لا يشعر بما بداخلها. فتحمل أشلاءها المبعثرة وتعود لغرفتها باكية وألم الوحدة يعتصرها، لتنام في فراشها البارد نوما لا حياة فيه

خواطر أنثى
زهرة مراد - قليبية 16 ديسمبر 2010