أرجوك ... لا تقفلي الباب ... زهرة الرّبيع زهرة مراد
انتهت حصّة الدرس. وبدأ الأطفال يحفظون أدباشهم في نوع من الهرج والفرح، فبعد لحظات تبدأ عطلتهم وسيكون لهم متسع من الوقت ليلعبوا ويمرحوا ... وها هي تخلع ميدعتها هي أيضا وتعدّ نفسها لمغادرة القسم والمدرسة إلى ما بعد العطلة. طلبت الهدوء للحظة وقالت : لا تحرموا أنفسكم من اللعب، لكن وازنوا بينه وبين المراجعة، تمتعوا بلعبكم ولكن فكروا في الغد واستعدوا له مبكـّرا، راجعوا ما كلفتكم بمراجعته ولا تفرطوا لا في هذا ولا في ذاك ... لم يبق على وقت الخروج إلاّ بعض اللحظات ... دخل مدير المدرسة القاعة ... صامتا ... كعادته لا محالة، هادئا، اقترب من المعلمة وقال لها بصوت منخفض حتى لا يسمعه التلاميذ سائلا عن حال طفل : هل هو بخير ؟ أجابته بنفس هدوئه : وضعه لا يدعو للقلق. طلب منها مغادرة القسم إن شاءت على أن يبقى هو مع التلاميذ لما تبقى من دقائق معدودة، استغربت منه ذلك وأوضحت أنّه لا داعي فوقت الخروج لم يبق له إلا ثوان معدودة. ألحّ عليها أن تغادر في الحال معلنا أن سيارة تنتظرها أمام المدرسة. لم تستوعب ولم تفهم ما يحدث لكنها غادرت القاعة حاملة كتبها ولوازم عملها وميدعتها البيضاء وكثيرا من التساؤلات لما لفّ سلوك المدير من غموض. بلغت باب المدرسة فوجدت سيارة تنتظرها، إنها تعرف صاحبها لكنها تستغرب حضوره رغم أن من أرسله كان زوجها. كان من المفروض أن يحضر هو للعودة بها. فتح لها باب سيارته وساعدها على وضع أدواتها على الكرسيّ الخلفي ثم قال لها في هدوء "زوجك يطلب منك اللحاق به إلى مستشفى المدينة " لم تنفعل ولم تقل شيئا، فقط سألت سؤالا أجابت عليه في الحين" هل فقد الوعي ؟ كنت أتوقع ذلك " لم يعلـّق على كلامها وواصلا طريقهما في صمت، هو يقود السيارة منتبها للطريق وهي شاردة الذهن إلى أن اقتربا من المستشفى. ما إن أطلت على مشارفه ورأت سيارة الإسعاف وجمعا من الناس يقفون في قلق وحيرة حتى دقّ قلبها وكاد يقفز من مكانه. تحركت الدماء بسرعة في عروقها وتسارعت دقات قلبها... سألت من جديد : هل حدث مكروه ... قلْ أرجوك. " فقال في هدوء مصطنع " لا .. لا باس، لقد سقط لا أكثر "
توقفت السيارة أمام مبنى المستشفى ونزلت مسرعة تستكشف الأمر فاعترضها زوجها مهدّئا من روعها : لا باس ...لاباس ... لكن لابدّ أن يُنقل إلى العاصمة. كان متأثرا شديد التأثر، كان كبرياؤه يمنعه من أن يبكي لكنه من المؤكـّد يودّ لو يفعل ... أليس جزءا منه ذاك الطريح ! أسرعت الخطى لتصل إليه ... وما إن رأته حتى اهتزّت اهتزازا ولم تعد ترى سواه ...كان ممدّدا بلا حراك ... أصفر البشرة ... والدماء حوله في كل مكان... كان رجال كثر يريدون السيطرة عليها لتهدئتها ... زوجها ... الطبيب ... الممرّضون ...لكنها لا تراهم ولا تسمعهم، دخلت في نوبة جنونية من البكاء ... يفتح عينيه بثقل، يقاوم الألم، وينظر إليها متوسلا أن اهدئي أمّي ... لا تزيدي ألمي .. سامحيني على هذا الذي أسببه لك ... أرجوك لا تبكي ولا تحزني ... وانتظريني سأعود ... ثمّ يغمض عينيه ليستسلم للغياب ... وتحاول أن تصل إليه لتحضنه، لتأخذه بين ذراعيها، علّ النار التي اشتعلت في فؤادها حين رأته في تلك الحال تخمد ولو قليلا ... تحاول بلا جدوى أن تحتضنه بين ذراعيها، أن تمسك برأسه الصغير وتسأله ما الذي حدث ؟ لكن الأطباء والممرّضون منعوها رغم ما أحسّوا به نحوها ونحوه من أسى... كان لم يمرّ على عملية القلب التي أجراها ثلاث سنوات... واليوم وقد خرج والده من المنزل ليعود بوالدته من العمل تاركا اياه صحبة اخيه الاكبر... لعبا لعبة الغمّيض معا وبينما يختبئ الأخ وراء الباب تأرجح طفل الأربع سنوات ممسكا بطاولة التلفاز... فانقلب الجهاز ورفس الطفل رفسا حتى نزفت دماؤه من كل مكان ... بكت حتى تورّمت عيناها وصاحت حتى جفّ حلقها ولكنها لم تستطع فعل شيء لذاك الطريح ... حملوه على الحمّالة وساروا به مسرعين في اتجاه سيارة الإسعاف محيطين به من كل جانب حتى لا تصله هي فلا يضمنون ما تفعل ... منعوها من الاقتراب ... من الصعود معه... حاول بعضهم إقناع الطبيب أن يسمح لها أن ترافقه رفقا بأمومتها لكنه رفض ... وسمعتـْه يقول خافضا صوته، قد يموت في الطريق وأخاف عليها الصدمة ... تلاشت لسماع تلك الكلمات ... توقفت عن البكاء ... سلـّمت أمرها ...توقف تفكيرها عند قول الطبيب ذاك... تداعت الى الحزن شعرت بالبرود يسري في دمائها حتى أنها لم تعد قادرة على تحريك أطرافها بسهولة ... كان زوجها يسندها متمالكا نفسه فلا يعقل أن ينهارا كلاهما ... ورغم الألم الذي كان يعتصر قلبه، كان يقول لها كلمات تخفف حزنها وتبعث فيها الأمل. انطلقت سيارة الإسعاف كالمجنونة معلنة الخطر والتحقا بها في سيارة أحد الأصدقاء ... فهل هما الآن قادران على قيادة سيارتهما ؟ كانت عيناهما تراقب الطريق في صمت... ترى هل تعود سيارة الإسعاف من منتصف الطريق ؟ هل تتوقف إذا ما تمّ أمر الله ؟ أفكار سوداء كانت تجول بخاطر كلّ منهما. إلى أن وصلا إلى مستشفى العاصمة فتنفـّسا الصّعداء. وجداه بين يديْ الطبيب، مازال يتنفس ... الحمد لله ... أسرعوا بإنقاذه ... وعوضوا له ما ضاع منه من دماء ... قضى ثلاثة أيام في الإنعاش ولما استفاق كان مشدودا إلى الفراش ... وحين رأته حيّا... حمدت الله وقالت " الضّنا غالي " وإذا بالولد الأكبر، طفل السّادسة من عمره يجذب أمه من يدها ويقول : لو أن أبي أغلق علينا الباب بالقفل كما تعوّد أن يفعل، ما كنت أستطيع أن أطلب النجدة لإنقاذ أخي ... فأرجوك أمّي، لا تقفلي علينا الباب ثانية ...
زهرة مراد قليبية 19 ديسمبر 2010






