تجلس في ركنها المفضل المعتاد ... بين أوراقها وهاتفها والحاسوب. تضع أمامها بعض ما يحلي طعم المرارة التي في حلقها.
يجلس في زاوية أخرى، بعيدا عنها. يشعل سيجارته بعد أن يضع أمامه مطفأة وكأسا من القهوة. يدخّن في صمت وهو يعبث بهاتفه. مرّة يطلب احد الخلان، وأخرى يستقبل فيها مكالماتهم، فيضحك طورا ويجيب على أسئلة طورا آخر، مواصلا التدخين في صمت. تنظر إليه من بعيد فلا يلتفت إليها ولا يحسّ بنظراتها. يواصل التدخين ... تتمني هي في صمت ، أن يكلّمها ... أن يقطع هذا الصّمت ويأتي إليها ... ليته يتنازل مرّة عن هذا الغرور والكبرياء ... ليته يضمّها إلى صدره ويربّت على كتفيها معتذرا عمّا سبّبه لها ... ألم الوحدة وعذاب الفراق ...ليته يسمع نداءها فيأتي ليقتلع الأشواك من حديقتها ... يسمعها ... يختصر المسافات بينه وبينها ... يقاسمها لحظاتها ... يأتي ليهمس في أذنها : أحـــبّــــك ولا أستطيع الاستغناء عنكِ ...
ليته يفعل ... ينقذها من وحدتها... ينظر في عينيها ليعرف كم تحتاجه وكم تريده. ليته يعرف أنها تهواه وأنها لا تستغني عنه ولا تريد غيره ... أنه يملك كيانها وأنها لا ترى الدّنيا إلا ّمن خلاله ... ينتبه أنه يوشك أن يخسرها ... يستفيق ويتداركها ... ينهض من مكانه ليبرهن عن حبّه لها ويتنازل عن الكبرياء ويثبت أنه لن يتنازل عنها، لكنه لا يفعل. إنه يواصل التدخين في صمت لا يقطعه سوى رنين هاتفه من حين لآخر ومحادثاته المتقطعة غير المفهومة في أغلب الأحيان. كم تتمنى أن يقرأ ما بداخلها، ليعرف ما بقلبها من حبّ ومن أسى ... كم تتمنى أن يفهم أنها تفكر فيه... تتأمله من بعيد فيشتعل كيانها. ينهي سجائره، وتمتلئ المطفأة ببقاياها والفضاء بالدخان المتصاعد، فيحمل هاتفه ويتحول إلى غرفته ليغلقها عليه. وتبقى وحيدة في صمت رهيب. صمت يغطي ثورة عارمة. فتهتز غضبا وتتسارع دقات قلبها وتندفع الدماء حارّة في عروقها وتصبح لا ترى سواه.
يمرّ الوقت ثقيلا مملاّ وتحاول ملأه بما اتفق، تارة تبحر وطورا ترسي في قراءة لا معنى لها ومرة تفكر فيه وأخرى تحاول طرد شبحه الساكن فيها فلا تستطيع. تملأ نفسها بالعمل لتنساه فلا تتمكن من ذلك، فكلّما ابتعد كلما كبر شبحه فيها وسكنها أكثر ... تحاول النّوم بعد اليأس من مجيئه إليها بلا جدوى ...تخبئ رأسها بين ثنايا العباءات ... تشغل ذهنها بأشياء أخرى لعلّ النّوم يأتيها فلا يفعل. هو الآخر قد قرّر أن يهجرها ... تتقلب في فراشها، تريد أن تكون الأقوى. تتجاهله، تبحث عن أمر يلهيها عنه فلا تحسن سوى أن تعود للتفكير فيه.
تنهض مندفعة نحوه وتفتح باب الغرفة بهدوء رغم ما بداخلها من هيجان، تجلس على حافة السرير وتقترب منه ... تمرّر أناملها الدافئة على وجهه وشفتيه ... تحاول أن توقظه بقبلة حب لعلّه يحضنها ويجذبها إليه فتنسى ... تنسى الأسى والألم الذي نهش كيانها. لكنه يمتعض قدومها قائلا : أوه ! لمَ أيقظتني ؟ لقد نمت. لا تجد ما تقول. ورغم الوجع الذي تسببه كلماته القاسية، تواصل مداعبة وجهه وتقول : اشتقت إليك. أنت تعرف أني لا أحسن العيش طويلا بدونك. فيشيح عنها بوجهه وهو يقول : دعيني أنام.
تحاول يائسة... بلا جدوى... إنه لا يشعر بما بداخلها. فتحمل أشلاءها المبعثرة وتعود لغرفتها باكية وألم الوحدة يعتصرها، لتنام في فراشها البارد نوما لا حياة فيه
خواطر أنثى
زهرة مراد - قليبية 16 ديسمبر 2010

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق