وقفت أمام النافذة، نظرت من خلف الستارة طويلا لكنّها لم تكن ترى شيئا. تنهّدت وقالت محدّثة نفسها :
- ماذا يحدث لي ؟ إنّي حائرة ولا أفهم نفسي ...
أستعيد حياتي الماضية فأشجى، وأستعيد لحظات الألم التي عشتها فأبكي وأستعرض حياتي الحاضرة فلا أفهم نفسي... ماذا يحدث لي يا ترى ؟
أواجه نفسي ... أحاسبها وأقسو... لا يمكن أن يكون دائما مخطئا ولا أكون... وقد لا أجد على نفسي خطأ ...لكنني رغم قسوتي عليها لا أملك إلا أن أعترف بأنها لا أقل ولا أكثر من ضحيّة...
اليقين ينتابني، فأهدأ ْ...ثمّ يرتادني الشّكّ ... فأنهارْ... وما بين يقيني وشكّي، تتمزقُ أمامَ عينيّ ْ وبين يديّ ْ نفسِي ...ولا أجدُ رغمَ الأسَى حتى الدمعَة.
تعلّمت من حياتي الماضية الكثيرَ .. الكثيرْ... تعلّمت أن لا شيءَ راسخْ، لا شيءَ دائمْ، لا شيءَ حقيقيّ ٌ في هذا العالمْ. تعلـّمتُ .. أنّ الحبّ ْ لحظَة، قد تدومْ وقد تفنَى، قد تصحُو، وقد تنامْ، قد تشتعِلْ ، وقدْ تمارسُ النـّارَ تحتَ الرّمادْ.
تعلـّمتُ أنّ كلّ ما يبنيه المرءُ في عيونِ الآخرينْ وقلوبهِم مجرّدُ بيتٍ من رملْ، معرّضٌ دومًا لأنْ تهزّه كلـّهْ موجةُ شكٍّ أو إعصارُ غضبْ.
ويبقى الأرَقْ.
يبقـَى أنـّنا لا نستوعبُ الدّروسْ... ويبقى أنـّنا في كلّ مرّة نحملُ أكفانَ الذّكريات ونبدأ ْ بحثا مرّا، صعباً.. طويلا ً... عن مقابرَ لها في مساحات صدُورنا. وقد نجدُ لجروحِنا مثاويَ تأوِيها، وقد لا نجِدْ. وفي معظمِ الأحيانْ لا نُحسنُ إقناعَ الذّاكرَة.
لقد أتعبني التفكير كثيرًا ... لذلك قرّرتُ أن أبقى كما أنا .. بلْ أن أعودَ كما كنتْ.
في تلك اللّحظة التفتتْ، وإذا بها تلتقي به وجها لوجه، كان يستمع لما تقول دون أن تشعر بوجوده. لم يقل شيئا لكنه أشعل سيجارة ومضى.
لحقت به واستوقفته قائلة :
-لا أعتبُ عليكْ إذا لم تفهمني، لا أعتبُ عليكْ إذا حيّركَ حبّي وغموضُ عواطفي. فأنا نفسي في معظمِ الأحيانْ لا أفهمُ نفسي. لكنّني أعرفُ ما أريدْ... أريدُ فقط أن أبقى تلك الأنثى الضّعيفة العاشقة التي تذوب حبّا ...
أشعل َالسيجارة الثّانية وواصل صمته فواصلت تقول :
- صحيح، عندما يبدأ الحزنُ في حياتي، لا حدودَ لـَهْ... فلحظةُ الحزنْ تتركُ جرحًا دائما. ولحظات السعادَه.. بلا بصماتْ، ترحلُ تاركة ً مجرّدَ ظلِّ لذكراها.
لا أعتبُ عليك إذا لم تفهمني، ولا أعتب عليك إذا حيّرك حبّي وغموض عواطفي. لكنّي أحكي لك عن أثر الحزن في حياتي لتعرف ألمَ الجروح التي تتركها كلّ لحظة حزن أعرفها معك، لتفهم أنّ السعادة التي حلُمتُ بها وظننتُ أنّك ستهبُها لي هي منسيّة على أبواب مدُن الانتظار والخوف والقلق. فكلـّما حاولت أن أخبرك عن مشاعري، أقف أمام الأبواب الموصدَة. ويتحوّل صوتي إلى صدىً أسمعه وحدي، فأنت لا تراني ولا تسمعني.
يتقدّم نحو النافذة وهو يدخّن سيجارته الثّالثة محاولا تفادي نظراتها لكنها تلاحقه وتنظر في وجهه وتواصل حديثها قائلة :
- أتساءل أحيانا : كيف أقبل بحبّ كهذا ! وأشعر أنّك من عالم آخر لا يلتقي بعالمي، ولا شيء يجمعنا. كيف أقبل بعاطفة مبنية على أسس وقوانين وأنا التي ليس لعاطفتي قواعد وحدود !!؟
وأتعذّب وأرضى. أرضى معك وأرفض بيني وبين نفسي. أرفض ألاّ يجمعنا حلم، أمنية ووعد مهما كان ساذجا. ويمزّقني عجزي عن احتوائك. لكنّك تأتي بعد كلّ العذاب والألم ... تأتي بلحظة حبّ واحدة لتقتلع الأشواك من حديقتي... فأنسى.
في تلك اللحظة استدار إليها وأطفأ سيجارته الرابعة ثمّ أمسك يدها وسارا معا.
خواطر أنثى
زهرة مراد قليبية

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق